أحمد بن محمد ابن عربشاه
453
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما سمعت السمكة هذه الخديعة ووعت ما فيها من حركة بديعة ، تشربتها أضلاعها ودعاها انخداعها إلى أن قالت : فما ترى أيها العبد الصالح أن أتعاطاه من المصالح ، فقال : أبلغى السمك هذا الكلام بعد إبلاغ التحية والسلام ، وأن يكون القوم من بعد اليوم ، آمنين من سطواتى سالمين من حملاتى ، ساكنين إلى حركاتى بحيث تتجلى الظلماء ، ويعود بيننا الحرب سلما ، وينام السمك في الماء . قالت : لا بدّ من أخذ العهود على الوفاء بهذه العقود ، وأقلها المصافحة على المصالحة ، ثم تأكيد الأيمان بخالق الإنس والجان ، ولكن كيف أصافيك وأنا طعمتك ، وأنى أتخلص من فيك إذا وضعت فيه لقمتك ، قال لها : أبرمى هذا العلف ، واربطى به حنكى لتأمنى التلف ، فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت ، وإلى ربط فكه أقبلت ، فعند ما مد منقاره إلى الماء وقربت منه السمكة العمياء ، لم يفتر أن اقتلعها ثم ابتلعها . وإنما أوردت هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة ؛ لتعلم أن قربنا من العقاب ألقى بنا أنفسنا إلى أليم العقاب ، وأين عزب عنك نهاك ، حتى تسعى بنا إلى عين الهلاك ، ونحن قوت العقاب وغذاؤه ، ولداء جوعه شفاؤه ودواؤه ، وهل يركن إلى العقاب يؤمن منه ضرب الرقاب ، وقد قيل : أنفاسه كذب وحشو ضميره * دغل وقربته سقام الرّوح « 1 » وقد قيل : أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة * عن نومة بين ناب اللّيث والظّفر قال النجدي : اسلمى يا قرينة الخير ، واعلمى أن الريح وقت الربيع تكسو أكناف الأشجار من أنواع الأزهار ، ووجه الصحارى والقفار من أنوار
--> ( 1 ) دغل : فساد وحقد .